الشنقيطي
150
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وصفها أيضا بلظى في قوله تعالى : كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى [ المعارج : 15 - 16 ] ، ثم بين أهلها بقوله : تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 17 - 18 ] . وهو كما هو هنا فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل : 14 - 16 ] ، وهو المعنى في قوله قبله : وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى [ الليل : 8 - 9 ] ، مما يدل أن للنار عدة حالات أو مناطق أو منازل ، كل منزلة تختص بصنف من الناس ، فاختصت لظى بهذا الصنف ، واختصت سقر بمن لم يكن من المصلين ، وكانوا يخوضون مع الخائضين ، ونحو ذلك . ويشهد له قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ، كما أن الجنة منازلة ودرجات ، حسب أعمال المؤمنين ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) [ 15 - 18 ] . هذه الآية من مواضع الإيهام ، ولم يتعرض لها في دفع إيهام الاضطراب ، وهو أنها تنص وعلى سبيل الحصر ، أنه لا يصلى النار إلّا الأشقى مع مجيء قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [ مريم : 71 ] مما يدل على ورود الجميع . والجواب من وجهين : الأول كما قال الزمخشري : إن الآية بين حالي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين ، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين . فقيل : الأشقى وجعل مختصا بالصلى ، كأن النار لم تخلق إلا له ، وقال الأتقى ، وجعل مختصا بالجنة ، وكأن الجنة لم تخلق إلا له ، وقيل : عنهما هما أبو جهل أو أمية بن خلف المشركين ، وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، حكاه أبو حيان عن الزمخشري . والوجه الثاني : هو أن الصلى الدخول والشئ ، وأن يكون وقود النار على سبيل الخلود ، والورود والدخول المؤقت بزمن غير الصلى لقوله في آية الورود ، التي هي قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] ، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [ مريم : 72 ] ، ويبقى الإشكال ، بين الذين اتقوا وبين الأتقى